الشريف الرضي
24
المجازات النبوية
مساغا للأقوال المختلفة ، والانباء المتضادة ( 1 ) ويكون قوله عليه الصلاة والسلام : المصرين ، تماما لهذا المعنى المراد ، ومبالغة في وصف هؤلاء بالمذمومين بكثرة استماع الأقوال ، فيكون ذلك من قولهم : أصر الفرس أذنيه إذا نصبهما للتوجس ، لأنه يقال : أصر أذنيه ، وصر بأذنيه ( 2 ) . وهذا التأويل لم أعلم أحدا سبقني إليه . 8 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام حين أتاه الفضل
--> ( 1 ) المعنى أنهم يسمعون كل قول ولا يأبونه كما يقبل القمع كل سائل يوضع فيه ولا يأباه . ( 2 ) فيكون المعنى : ويل للمصرين آذانهم للاستماع ، أي الذين ينصبونها للتوجس والتقاط الاخبار ، ولكن هذا المعنى لا يتلاءم مع بقية الحديث ذكرناه وهو " الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " فلا معنى لنصب الاذنين على الفعل الذي فعلوه ، والمناسب أن يكون يصرون مأخوذا من قولهم : " ناقة مصرة " وهي التي لا تدر اللبن فهي باقية على حالها لا تتغير عنه ، كما أن الثابتين على فعلهم السئ الذين لا يتحولون ؟ ؟ عنه إلى فعل الخير كذلك ، فيكون معنى ويل للمصرين ، ويل للثابتين المقيمين على السوء ، ويترتب على ذلك أن يكون النهى في الحديث على المعنى الثاني عن شيئين هما استماع كل قول ، والاصرار على الفعل السئ وعدم التحول عنه ، أما على المعنى الأول فيكون النهى عن شئ واحد وهو استماع كل قول والاصرار له ، أي نصب الاذن له والتلهف عليه ، ولذلك قال الشريف فيكون المصرين ثماما لهذا المعنى ، ولا شك أن المعنى الذي ذكرناه أولى . ما في الحديث من البلاغة : في أقماع القول استعارة تصريحية سبق بيان التشبيه فيها حيث استعمل كلمة أقماع في الناس الذين يستمعون كل قول وذكر القول قرينة ، وفي استعمال المصرين في الذين لا يتحولون عن فعلهم ، استعارة تصريحية حيث شبه الناس بالناقة المصرة التي لا تدر ، وهذا على المعنى الذي ذكرناه أما على المعنى الذي ذكره الشريف فيكون شبه شدة الحرص على السماع بنصب الفرس أذنيه واستعمال المصرين في ذلك استعارة تصريحية أيضا .